ابن رشد
82
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
قريبا من أن يكون كذلك . والعقول المفارقة ، مفارقة تامة للمادة ، هي العقول السماوية التي تتسلسل سموا وشرفا إلى العقل الأول ، وهو المحرك الأول والمبدأ الأول ، وهو الله عندهم ، وهو الذي يعطي للمواد صورها ، إما مباشرة وإما بواسطة عقل سماوي سماه الفلاسفة الإسلاميون : " واهب الصور " . وإعطاء الصورة هو إعطاء للحياة واختراع لها في المواد القابلة لتحملها ، أي التي " تخمرت " وتطورت إلى الدرجة التي تصبح معا مستعدة لتقبل صورة روحانية أي نفسا . وهذا النوع من التصور للأمور لا يتناقض مع ما في الدين ، وإنما قد تحتاج نصوص هذا الأخير في بعض جوانبها إلى تأويل ، ولكنه تأويل لا يفهمه ولا يقدر على تصوره إلا " العلماء " أي الذين درسوا ما أوجزناه أعلاه ، دراسة مفصلة ، في كتب الفلسفة التي كانت هي العلم نفسه ) . 3 - مسألة السببية . . . والنظام والترتيب في العالم يربط ابن رشد بين مبدأ التجويز وبين طريقة أخرى للأشاعرة في الاستدلال على حدوث العالم ، وبالتالي على وجود الله . ذلك أنهم يقولون إن جميع الموجودات التي في العالم جائز في العقل أن تكون على ما هي عليه وعلى عكس ما هي عليه : فجائز في العقل أن تحرق النار وألا تحرق ، أن يكون للإنسان رأس واحد أو رأسان ، أن تشرق الشمس من المشرق أو من المغرب . ولكن بما أن الموجودات قد وجدت على صفة مخصوصة فلا بد أن يكون هناك مخصص جعلها على هذه الصورة دون تلك ( ف : 49 - 58 ) . ويرى ابن رشد أن القول بأن الموجودات جائز أن تكون على ما هي عليه وعلى ضد ما هي عليه ، معناه أن " ليس هاهنا حكمة ولا توجد هاهنا موافقة أصلا بين الإنسان وبين أجزاء العالم " ( ف : 207 ) وبالتالي فلا سبيل إلى اتخاذ موجودات العالم دليلا على وجود صانع لها . " فكما أنه من أنكر وجود المسببات مرتبة على الأسباب في الأمور الصناعية أو لم يدركها فهمه فليس عنده علم بالصناعة ولا الصانع ، كذلك من جحد وجود ترتيب المسببات على الأسباب في هذا العالم فقد جحد الصانع الحكيم " ( ف : 209 ) . وبالجملة " متى رفعنا الأسباب والمسببات لم يكن هاهنا شيء يرد به على القائلين بالاتفاق ، أعني الذين يقولون لا صانع هاهنا ، وإنما جميع ما حدث في هذا العالم إنما هو عن الأسباب المادية لأن أحد الجائزين هو أحق أن يقع عن الاتفاق منه أن يقع عن فاعل مختار " ( ف : 214 ) .